اللا مذهبية.. قنطرة اللا دينية - العلامة زاهد الكوثري    الشيخ سيد نوح    إغتيال وطن وقيادات والمجرم بيننا - محمد صالح المسفر    الإسلام.. النموذج المقاوم المدهش ـ د. محمد عمارة    هيئة علماء المسلمين في العراق    حزب التحرير الأوزبكي والأكذوبة الحكومية    هل يؤدي التعاون الأمنى الروسي – المصري إلى إعلان نهاية الدور العالمي للأزهر محمد سيد قطب    أسباب وتأثيرات تجدد الصراح في القوقاز على الحالة الدينية في أذربيجان - محمد سيد قطب    إشعال منطقة القوقاز بالوقود الإسلامي ، والاستراتيجيه الأمريكية الجديدة - أ / محمد سيد قطب    مسلموا تركستان الشرقية.. مذابح وتجاهل   
 استطلاع الرأي
الدور الذي تقوم به مصر في الهدنة المتوقعة بين حماس والصاينة
 يخدم القضية الفلسطينية
 يناصر المقاومة
 يخدم مصلحة الأمن القومي المصري
 يخدم الصاينة والأمريكان
 لا يهدف لشيء
 لا أدري



 القائمة البريدية



(( الرُّجولَة ))


(( الرُّجولَة ))

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق


للرجولةِ قيمتُها و منزلتها عند أربابِ العقول ، و يَدَّعيْها مَن ليسَ من أهلِ الاستنانِ بها من الصغار ، و يَرنو إلى المِدحةِ بها الأكابرُ ، فيُمدَح الشخص بأنه : رجلٌ ، و من قومٍ رِجال ، و فيهِ رُجولةٌ ، و قد يَصِلُ الحالُ أن تُمْدَح المرأةُ بأنها : مُسْتَرْجلةٌ ، لنُدرَةِ الرجولة بين الناسِ.

و الرُّجولةُ صِفةٌ معنويةٌ و ليستْ شكلاً صُوريَّاً ، فليستْ الرجولةُ هي الذكورةُ ، و إنما هي صِفةٌ تَلْحَقُ مَن هو مَحلُّ الإتيانِ بِها و هم الذكور ، لأنَّها قائمةٌ على العزائمِ القوية ، و التصرُّفات المتينة ، التي تحتاجُ إلى إبداءٍ دائمٍ ، فلا يُستلانُ جانبُ ذي الرجولةِ ، و لا يُستهانُ بمشاعره ، فبتعطُّلِ محلِّ الرجولةِ عن قبولِ معانيها تُنفى عنه و تُلْحَقُ بمن يقومُ بحقائقِ تلك المعاني ، لأجلِ ذا كانتِ الصِبيانُ يُحاكون الرجالَ في رجولتهم ، يُقلِّدونَ في الصفاتِ الكبيرة ، و يتكلمون الكلماتِ المتقدمة على أسنانهم ، فرُبَّ صَغيرِ الظاهرِ غلبَ صغيرَ الباطن ، و كذلك بعضُ النساءِ يَغلِبْنَ الذكورَ فيَسْلُبْنَهم معاني الرجولةِ التي لم يكونوا أهلاً لها فيُنْعَتْنَ _ تعييباً _ بالاسترجالِ ، و استرجالُ النساءِ محمودٌ فيما كان من كمالٍ لها ، و العيبُ ما كانَ نقصاً لحقيقتها ، و الاسترجالُ المحمودُ استرجالُ الصفاتِ الباطنة لا استرجال الأشكال الظاهرة ، فأدركِ الفرْقَ ، فيُطلَقُ الاسترجالُ على غيرِ الذكرِ مدحاً في غالبِ الأحوال ، لكن التأنيثَ إن أُطلِقَ على الذكرِ فهو عَيبٌ في كلِّ حال.

الرجولةُ كاملةٌ في ذاتها ، فليستْ صِفةً ناقصةً ، تُعْوِزُها المعاني النبيلة ، و هي من أحوالِ الكمالِ في الشَّخْصِ ، لا من النقائصِ اللاحقة ، و هي دافعةٌ نحو الكمالِ و تحقيقه ، تراها تبعثُ في نفسِ الذَّكرِ الحركةَ نحوَ التحصيلاتِ الكمالية ، و تدفعه إلى نَيْلِ المكرُماتِ العالية ، و إنْ تقهقرَ أو رَجعَ أيقظتْ عليه صوتَ الذامِّ الناقِدِ ، فيُعاب تشهيراً لأن الرجولةَ لا ترْضى بمحلِّ الدُّوْنِ و الضَّعَةِ ، فمن ادِّعاها و ليسَ فيه سَعيٌ لكمالٍ فهو ذكرٌ لا رجلٌ ، فكمالُها يُكمِّلُ و لا ترتضي النقيصة .

الرجولةُ خُلُقٌ ، فما هي بالخَلْقِ الصُوْري ، و لا بالبُنيانِ الشِّكلي ، حيثُ الكمالُ يُصرَفُ حقيقةً للمعاني الخَفِيَّة ، و أما المباني الجَليَّة فليستْ إلا للكماليات لا للكمالات ، و لا مَدحَ للذكورِ بأشكالهم إلا ممن يَهوى الشكلَ ، و لا يقعُ على الأشكالِ إلا مَن أشكلتْ عليه الحقائق ، و أما مَن يقصد الحقائقُ فهو يُشكِّلُ الذواتِ بالصفاتِ و الظواهرَ بالبواطنِ و المباني بالمعاني ، فالرجلُ إن اتَّصَفَ بالرجولةِ كانَ اتِّصَافُه تَحلياً منه بالأخلاقِ التي يتخلَّقُ بِها الرجال ، و لَنْ يَحِلَّ خُلُقٌ عظيمٌ إلا في محلٍّ فيه قبولٌ للرجولةِ ، سواءً كان ذكراً أم أُنثى ، بشراً أم غيرُه ، فمُدحَ الحيوانُ بأخلاقٍ تُمُنِّيَ أن تكون في الذكور ، فكُفْرُ الذكرِ برجولته ينقلُها لمن يستحقها ، و لو كان غيرَ بشرٍ .

تلك الرجولةُ بمعانيها صِفةٌ نادرةٌ في الذكورِ ، و لا يَكاد أن يجدها الباحثُ كمالاً و تماماً في أحدٍ ، إلا في قِلَّةٍ ، لأن الكمالَ عزيزٌ نادرٌ ، و النادرُ لا يَسعى له إلا نوادرُ الكُمَّلِ .

و الرجولةُ بَعْد ذا كُلِّه قد تكون رجولةً كاملةً ، و هي التي كمُلَتْ صورةً و صِفةً ، خلْقاً و خُلُقاً ، أو كمُلَتْ خُلُقاً و صِفةً ، فكمالُ الجزءِ الأهمِّ فيها كمالٌ لها .

و قد تكونُ رجولةً ناقصةً ، تلكَ التي اعترى الذكرَ نوعُ نقصٍ في صفاتِ الرجولة ، فلم يكمُلْ لديه كلُّ أجزائها ، أو غالبُها ، فيُوْصَفُ بالرجولةِ بِقَدرِ ما فيه .

ع . العُتَيِّق