إشعال منطقة القوقاز بالوقود الإسلامي ، والاستراتيجيه الأمريكية الجديدة
محمد سيد قطب
وصل الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف الاثنين 13/ 7 إلى العاصمة تسخينفالي حيث كان في استقباله الرئيس ادوارد كوكويتي رئيس جمهورية أوستيا - التي ينتمي أغلب سكانها إلى أصول مسلمة - في زيارة لم يعلن عنها مسبقا. وتأتي الزيارة بعد مرور 11 شهرا على حرب جنوب القوقاز بين روسيا وجورجيا والتي أدت حينها إلى صدام دبلوماسي بين الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ورسيا
يُذكر أن روسيا تعترف باستقلال أوسيتيا الجنوبية ومنطقة أبخازيا التي أعلنت أيضا انفصالها عن جورجيا بعد الحرب. أوسيتيا الجنوبية على أنها جزء لا يتجزأ من أراضيها وتخضع لسيادتها، وقد صرح أحد كبار المسئولين الجورجين : أن زيارة الرئيس الروسي إلى أوسيتيا الجنوبية الاثنين بعد أقل من شهر على ذكرى الحرب بين جورجيا وروسيا تمثل استفزازا لسيادتها.
وتأتي هذه الزيارة بعد أيام من زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لموسكو في : 8 /7 /2009م وإدلائه بتصريحات لم تلق ترحيبا في روسيا ودعا فيها إلى احترام قواعد دولة القانون والديموقراطية، إضافة إلى مكافحة الفساد واحترام القانون وقال : إن مسار التاريخ يظهر لنا أن الحكومات التي تعمل في خدمة الشعب تستمر وتزدهر، وليس الحكومات التي لا تخدم سوى قوتها الخاصة
في جو يوحي بأن شيئا غير مريح في العلاقات الأمريكية الروسية ولعل زيارة الرئيس الروسي للمنطقة الجنوبية ذات الأصول المسلمة والتي تعاني منذ فترة طويلة تعد استمرارا في التعبير عن هذا الجو
معاناة مستمرة
عانى شعبي الشيشان و الأنغوش وبقية الشعوب المسلمة في منطقة القوقاز من وطأة الهجوم و الاستيطان الروسي و على الأخص في القرن التاسع عشر. و هكذا بدأت المقاومة تحت زعامة الإمام شامل الذي وقع أسيرا بيد الروس عام 1859م .و احتلت الإمبراطورية الروسية البلاد عام 1864 م و نفت السكان إلى الجبال و بعيدا عن أوطانهم. وازداد البأس على المسلمين هناك بعد قيام الاتحاد السوفيتي واستخدام أساليب أشد قسوة - وإن كانت القيصرية لم تقصر في قتل وتهجير المسلمين من بلادهم – وظل الوضع في الشيشان وما يعرف بمنطقة القوقاز [ القفقاس ] بيد كر وفر ، وشد وجذب حتى انهار الاتحاد السوفيتي وتوزعت الأقاليم إلى دول مستقلة وتمسكت روسيا بعدم السماع للمسلمي الشيشان ومنطقة القوقاز بالاستقلال بل استولت جورجيا على أجزاء من جنوب القوقاز : [ جنوب أوستيا ، وأبخازيا ] وقمع الجيش الروسي المحاولة الشيشانية للاستقلال بقيادة جوهر دوداييف بشكل عنيف للغاية ، ولم تتمكن روسيا في ثوبها الجديد من القضاء على جذوة الحرية المتقدة في قلوب مسلمي المنطقة منذ أكثر من قرن من الزمان ، وبقي الوضع لا هو استقل للشيشان ولا هو تحت سيطرت روسيا .
الحرب الثانية وتدخل الأطراف الخارجية بشكل كبير
وحدث تعاطف كبير مع القضية الشيشانية داخل ما يعرف بالاتحاد الروسي أو في جمهوريات الاتحاد السوفيتي المستقلة ، وأيضا في العالم العربي والإسلام وكان للبطولات التي أظهرها المقاتلين الشيشان وعدالة قضيتهم دور كبير في ذلك حتى هددت الشيشان في حالة حصولها على استقلال كامل بنية الاتحاد الروسي والذي يتألف من قرابة 32 قومية يمثل المسلمون بقومياتهم المختلفه : [ شيشان – أنجوش – أوستيين – أبخاز – تتار – بشقر- القبردي بلقار – والشركس ، ....] نسبة كبيرة منهم لا تقل عن 30 % والكل طامح فيما يطمح فيه الشيشان لو القبضة الروسية العنيفة .
ومن الجانب الأخر من العالم الغرب وأمريكا جاء الدعم المعنوي الكبير المندد في ظاهره بالهمجية الروسية وانتهاك حقوق الإنسان ، والمتشفي من العدو السابق والراغب في إشغاله بنفسه حتى تعلن شهادة الوفاة الرسمية للنظام العالمي القائم على القطبية ليعلن النظام الجديد ، وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بإدارة العالم ، لذلك كان ولابد من تجدد الصراع في الشيشان والقوقاز وعدم إعطاء فرصة للروس للالتقاط أنفاسهم ، ولأغراض أخرى متعددة ، كلها تهدف لخدمة المصالح الأمريكية والغربية ، وتكفل المال العربي والعجلة والتسرع من جانب مجموعة [ شامل وخطاب ] - رحمهما الله وغفر لهما – بإلقاء الزيت على النار ، لتبدأ الحرب الثانية في ظروف مختلفة تماما عن ظروف الحرب الأولى فالشيشان المتحدين خلف جوهر دوداييف ، اختلفوا وتفرقوا عن خليفته أصلان مسخادوف بل صار الرجل وحسب قول عدد غير قليل من المحللين المنصفين لا يحكم إلا بيته فقط ، ويكفي أن نعلم أن البائعات في السوق كن يعلمن بموعد الغزو الشيشان لتحرير داغستان بقيادة شامل وخطاب ، وايضا لم يعد التأييد الكبير للقضية الشيشانية بين القوميات المسلمة في الاتحاد الروسي كما هو والاوضاع العالمية ليست كما كانت فبدأت الحرب الثانية بيد المسلمين واستدراج الغرب لها وعدم رغبة الروس في بدايتها وتستمر حتى الآن بعد أن أكلت كثيرا من أبناء الشيشان على رأسهم مسخادوف ، وخطاب و شامل بساييف .
الحرب على الإرهاب وتغير الموقف الأمريكي الغربي من المجاهدين الشيشان
وجاءت أحداث سبتمبر لتعلن تغير الموقف الأمريكي الغربي من المجاهدين الشيشان ، وبعد أن كانوا في النظرة الغربية – الأمريكية مقاتلين من أجل الحرية أصبحوا مجموعات إرهابيه على اتصال بالقاعدة ، وللحقيقة كانت الأهداف الأمريكية من الحرب الثانية قد تحققت فزاد الانكفاء الروسي على الداخل واستنزفت موراد إضافية في روسيا ، وبقي أن تصبح روسيا دولة رئيسة في محور محاربة الإرهاب الذي كونه الرئيس الأمريكي جورج بوش فتم طرد أكثر كل المؤسسات الإغاثية الإسلامية العاملة في روسيا ، وخسرت القضية الشيشانية خسائر كبيرة بل وقضايا مسلمي القوقاز.
أوباما وتغير السياسة الأمريكية تجاه القوقاز
ومع تولي الرئيس أوباما لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكيه واعتماده ساسة تختلف تماما عن سياسة سابقه جورج بوش والقائمة على المواجهة المباشرة وفرض الوصاية والسيطرة الأمريكية ، وثبوت فشل هذه السياسة في أكثر من مكان في العالم ، من أفغانستان إلى العراق وغيرهما ، وظهور روسيا في الفترة الأخيرة بمظهر الند القوي للسياسة الأمريكية واستغلالها الأخطاء التي وقع فيها بوش في سياسته الخارجية وخصوصا بعد حرب جورجيا القصيرة والمذلة في نهاية الصيف الماضي ، اعتمد أوباما سياسة جديدة ، تعتمد في جانب من جوانبها إرهاق الخصوم في إشغالهم بمشكلات داخليه وتفجير صراعات لا تبدو الإدارة الأمريكية وكأنها طرف فيها وفي قضية القوقاز والشيشان ما يكفي لإشغال روسيا وتهديدها من الداخل ، ويكفي أن تغض أذربيجان وجورجيا الطرف عن تحرك المجاهدين تجاه القوقاز وفي مصلحة جورجية لرد شيء من الاعتبار للنفس والتشفي من الروس بعد ما جرى لهم على أيديهم الصيف الماضي وبنظرة متفحصة للعلميات الجهادية في الشيشان وأنجوشيا وداغستان في الشهرين الماضيين ومقارنتها بمثيلها العام الماضي يظهر الفارق الكبير جدا .
تطورات الأحداث في جنوب روسيا ومنطقة القوقاز في الفترة الأخيرة
· مقتل 3 مسلحين وأحد أفراد القوات الخاصة في داغستان بتاريخ : 14-07-2009 م .
· قتل تسعة من عناصر الشرطة الشيشانية في كمين استهدف مركبتهم في جمهورية أنغوشيا الروسية، كما ورد على لسان مصادر أمنية ، بتاريخ : 04-07-2009
· مقتل شخصين في هجوم مسلح على فرع وزارة الداخلية بمدينة دربند الداغستانية - 01.07.2009
· مقتل شرطي وجرح 13 شخصا في حادثين منفصلين في داغستان، بتاريخ : 1.07.2009
· محاولة اغتيال الرئيس الانغوشي يونس بيك يفكوروف ، بتاريخ : 22 يونيو/حزيران
· قتل شرطي وأصيب 9 من رجال الأمن وعدد من المدنيين في حادثين منفصلين وقعا في مدينة دربند جنوب جمهورية داغستان الروسية ، بتاريخ : 30 يونيو – حزيران .
· أعلنت وزارة الداخلية لجمهورية إنغوشيا عن مقتل نائبة رئيس المحكمة العليا للجمهورية أزا غازغيرييفا في هجوم قام به مسلحون مجهولون، وذلك باطلاق النار على سيارتها في مدينة نزران، بتاريخ : 10 يونيو/حزيران
· توفي وزير داخلية جمهورية داغستان الروسية عادل غيري محمد طاهروف متأثرا بالجراح التي أصابته في منطقة القلب من رصاصة أطلقها قناص مجهول في العاصمة الداغستانية محج قلعة.2009 -6-5
· شن مسلحون مجهولون ليلة 10 يونيو/حزيران هجوما على مركز للشرطة في منطقة قاربادا خكينت في جمهورية داغستان جنوب روسيا.
توقعات تطور الأحداث
ويبقى تطور الأحداث مرهون باستيعاب المجاهدين الشيشان للموقف السياسي العام وقدرتهم على تخطي الصعاب التي تحيط بقضيتهم وإدارتهم للصراع في الوقت والمكان المناسبين، فإلى متى يبقى المسلمون مفعول بهم وليسوا فاعلين ، وأدوات في أيدي غيرهم دون أن يشعروا !!! ، وكذلك يبقى الموقف مرهونا بقدرة روسيا على الاعتراف أنها من المستحيل أن تتمكن من القضاء على شعوب تقاتل من أجل حريتها لحوالي قرن ونصف ، فلابد أن يعامل المسلمون بطريقة تليق مع كونهم ثلث البلاد من حيث التعداد وأكثر من النصف من حيث الثروات في أراضيهم وأن يتم إغرائهم بإداراة ذاتية ومساواة اجتماعية ،ومزيد من الحريات الدينية ، ومعاملتهم على أنهم مواطنون كاملوا الحقوق............، ففي بقاء الاتحاد الروسي وتقوية دور المسلمين فيه بما يمثل تعدادهم وإمكانياتهم مصلحة روسية – إسلامية ، وتفويت للمصالح غربية – أمريكية .