يحكي أن جحا أصابه الملل من الضوضاء التي يصدرها الأطفال وتعب من أصواتهم فقرر أن يفكر في حيلة تجعله يستريح من هذه الأصوات التي تزعجه، فما كان منه إلا أن نادي على الأطفال، وقال لهم لماذا تلعبون هنا وتتركون الحلوى لا تجد من يأخذها ؟ فقالوا جميعا وأين هذه الحلوي، فقال بنت السلطان توزع الحلوى بباب قصرها، فجرى الجميع ونجحت حيلة جحا في تحقيق هدفه، ولكن حدث مالم يكن متوقعا .
فكر جحا قليلا: أين ذهب الأطفال؟ وأجاب: ذهبوا عند قصر السلطان .
ولماذا ذهبو إلى هناك؟ ذهبوا ليأخذوا من الحلوى التي توزعها بنت السلطان .
ولماذا لا أذهب لأخذ الحلوى معهم؟ وانطلق جحا لينال نصيبا من الحلوى المزعومة التي زعم كذبا أن بنت السلطان توزعها.
ينطبق هذا المثل تماما على ما يجري في أوزبكستان من اعتقالات تحت ذريعة الانتماء لحزب التحرير الإسلامي، ويرجع ذلك للفترة التاليه لانهيار الاتحاد السوفيتي، وبعد أن ظهرت الصحوة الإسلامية بقوة وظهر نفوذ الإسلاميين القوي للدرجة التي هددت وجود الأحزاب العلمانية وريثة الشيوعية السابقة، وحدثت التفجيرات الأولي في طشقند عام 1995 وتبعتها حملة ضخمة من الاعتقالات واختطاف مجموعة من قيادات الإسلاميين مثل الشيخ عبد الولي قاري (1)، وقتل لآخريين في حواث تفجير مجهولة المصدر معروف الغرض مثل ما حدث مع الشيخ عبد الرحيم قاري (2) واختفاء البعض منهم وهروب آخرين كما فعل الشيخ عابد قاري (3)، وبحثت الحكومة الأوزبكية عن تهمة تحاكم على أساسها عشرات الآلاف من المعتقلين فلم تجد إلا تهمة التشدد الإسلامي في حين أنه لم يظهر أثر لحزب التحرير حتى هذه اللحظة.
وقد نشرت منظمة هيومن رايتش وتش على موقعها تقريرا يندد بهذه الاتهامات والاعتقالات(4) جاء فيه أن أفعال الحكومة كانت تستهدف القضاء على "الأصولية" الإسلامية و"التطرف" الإسلامي بحسبانهما خطراً يهددها، وذلك عن طريق تكميم أفواه المسلمين الذين يرفضون سيطرة الحكومة على الدين ومعاقبتهم. وقد وضعت هذه السياسة ونُفِّذت بهدف إزالة الإسلام "الكاريزمي" من المعادلة السياسية درءاً لأي نزاع محتمل على السلطة وعلى ولاء الشعب بين حكومة كريموف والزعماء الإسلاميين أصحاب التوجه المستقل عن الحكومة. والواقع أن الخوف من الدين باعتباره منافساً على قلوب وعقول الجماهير هو جزء من التركة التي خلفتها الحقبة السوفيتية، ولكن حكومة كريموف استحوذت على هذا المشروع، فأدمجت فيه أساليب السيطرة الموروثة، وابتكرت حيلاً وأساليبا جديدة لمنع الإيمان الديني من تحدي سلطة الحكومة مطلقاً.
وكان من بين الأهداف الأولى لحملة الحكومة الزعماء الروحيين المسلمين الذين رفضوا الاقتصار في خطبهم ومواعظهم على ما تمليه عليهم سلطات الدولة؛ وتراوحت المظاهر الأخرى "للعصيان" بين معارضتهم لقرار الحكومة بمنع استخدام مكبرات الصوت في المساجد عند الآذان، وامتناعهم عن مدح الرئيس كريموف أثناء الخطب الدينية، وخوضهم في نقاش علني حول منافع إقامة دولة إسلامية، وتطبيق الشريعة الإسلامية، ورفضهم تقديم معلومات عن المصلين معهم وعن زملائهم من الزعماء الدينيين لأجهزة الأمن. وأطلقت السلطات الحكومة وصفاً في غير محله على هؤلاء الزعماء المحليين، وهو "الوهابيون"؛ وعمدت إلى مضايقة أو اعتقال الأشخاص الذين تربطهم بهؤلاء الزعماء صلة وثيقة أو حتى عابرة، مثل المصلين معهم، بما في ذلك من صلوا وراء هؤلاء الزعماء من حين لآخر قبل أن تغضب عليهم السلطات، وتلامذة الأئمة، والعاملين في المساجد، بل حتى أقاربهم .
وفي عام 1999، بدأت السلطات الأوزبكية في اعتقال الأشخاص بصورة منهجية بسبب العضوية في "حزب التحرير" والواقع وترتيب الأحداث التي وقعت في أوزبكستان يؤكدان أن قضية الوجود القوي لحزب التحرير في أوزبكستان ما هي إلا قصة مخترعة أقرب لقصة جحا وحلوى الأطفال، أوما دبرته الأجهزة الأمنية في الشرق الأوسط من أحداث عنف لتبرير اعتقال الإسلاميين تحت تهم متعددة، مثل محاولة اغتيال عبد الناصر الشهيرة في المنشية الاسكندرية، أو دعم التيارات المتشددة مثل الجماعة الإسلامية والجهاد ضد الإخوان وتقوية شوكته عن طريق الدعم غير المباشر أو غض الطرف عنهم ثم ضربهم بقوة وضرب الإخوان معهم بتهمة الإرهاب .
وهناك عدد كبير من المعطيات تمنع التسليم بوجود قوي أوحتى متوسط أو ملحوظ لحزب التحرير قبل حملات الاعتقال الكبير منها:
• أن الدعاة الأوائل لما يمكن تسميته بالصحوة الإسلامية في آسيا الوسطى عموما وأوزبكستان خصوصا كانوا أقرب إلى السلفية في اتجاهاتهم العقدية وإلى الإخوان فكريا، ومراجعة ما كتبه هؤلاء تؤكد ذلك وتدعمه بقوة .
• النشأة الأولي للدعاة الإسلاميين في أوزبكستان كانت في الحجرات التعليمية في أنديجان وونمجان وطشقند، وكانت المناهج التي تدرس فيها هي كتب الفقه الإسلامي القديمة وخصوصا المذهب الحنفي، وكتب السيرة والتاريخ، وكتب الإخوان المسلمين في الفكر والحركة مثل كتب حسن البنا والقرضاوي والغزالي. ولا يعرف فيما حكى رجال الصحوة في أوزبكستان عن هذه البدايات وجود أي أثر لأفكار حزب التحرير أو كتب أحد رجاله كالنبهاني مثلا .
• وجود فتاوي لحزب التحرير يعتبرها علماء الصحوة في أوزبكستان إنحرافا فكريا جسيما وانحرافا دينيا وأخلاقيا، مثل فتاويهم بحل النظر إلى أفلام الجنس أو الصور العارية على اعتبار أنه لا روح فيها، وتجاوزهم عن حرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية بدعوى الضرورة الحركية، وغير ذلك كثير مما يجعل حزب التحرير في موقع المتهم وليس في موقع القائد أو صاحب الفكر الريادي في نظر شباب الصحوة وشيوخها هناك .
• لا يعرف لحزب التحرير مظاهرة واحدة في أوزبكستان قبل عام 1999 وحملات الاعتقال هذه بدأت عام 1995 ولم تنتهي حتى الآن .
• لا يعرف رمز واحد لحزب التحرير بين قادة الصحوة الإسلامية في أوزبكستان بل كل الرموز إما محسوبة على تيارات توالي الإخوان وإن لم تكن تحت لواء تنظيمي أو تنتمي إلى السلفية بوجه من الوجوه.
ولقائل أن يقول ولماذا تظهر كتب ومنشورات حزب التحرير الآن في أوزبكستان، وتعلن الحكومة بشكل متكررعن ضبط كتب لحزب التحرير مع المعتقلين؟ ولكن منذ متى كانت ضبطيات الأجهزة القمعية موثقة خصوصا بعد وجود شهادات عالمية بمدى القمع والاضهاد الذي يناله الإسلاميون هناك، وكانت الحكومة البريطانية قد قررت إقالة سفيرها لدى جمهورية أوزبكستان كريج موراي من منصبه، وذلك بعد الانتقادات الحادة التي ظل يوجهها لنظام الحكم الأوزبكي وممارساته القمعية ضد شعبه.
ولم تكشف وزارة الخارجية البريطانية عن أسباب اتخاذها قرارًا بعزل موراي من منصبه بشكل واضح ومحدد، إلا أن المراقبين يشيرون إلى الأنباء التي نقلتها صحيفة الجارديان وذكرت خلالها أن كريج موراي وجه اتهامات قوية لنظام حكم الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف. وقالت صحيفة الفاينانشيال تايمز إن موراي كان قد كتب عدة تقارير تفصيلية تصف الأسلوب الذي تجري من خلاله معاملة السجناء السياسيين في السجون والمعتقلات الأوزبكية، ومدى اتساع حجم ممارسات التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان التي تحدث في هذه السجون.
ومازلنا ننتظر خروج عشرات الآف من المعتقلين من سجون أوزبكستان وظهور الدعاة المختفين والمختطفين ليكشفوا لنا حقيقة أن بنت السلطان لا توزع حلوى وأنه لا يوجد لحزب التحرير في أوزبكستان قاعدة ولا أساس.
كاتب مصري